المقال مخصص لا معمم، ومثلما يقال قديما ان البصر للافاق و البصيرة للاعماق، فأن الكلام هنا كلام يجمع بين ذكاء النظرة في فهم المقابل و فراسة خبرة في شرح سلوكه.
كَتَبَ ابو الطيب المتنبي ( رحمه الله) قديما شعرا في الطبع و التطبع، ومن ذلك بيته من قصيدة( كفى بك داءً)، اذ يقول: وللنفس اخلاق تدل على الفتى
اكان سخاءً ما اتى ام تساخيا
والسخاء هنا هو الطبع البِكْر، و اما التساخي فهو التطبع، لكن يفهم من البيت ان التساخي هنا ليست خصلة نقية بل هي اصطناع سلوك لغايات، و تزول بزوال حاجة فاعلها.
من السخاء و التساخي اتحول اصل المراد من فسحة الحديث، فأقول: ان ليس كل طبع و لا كل تطبع قد يأتيان بالمعنى الطيب، وغالبا ما يراد من التطبع ان يكون بديلا جيدا عن الطبع، فالقانون مثلا منهج جامع لقواعد و عقوبات تقيد الطبع غير المنضبط، وقد سبقته التشريعات السماوية في ذلك و قيدت السلوك عن التمدد بسوء، ولذا فالتطبع الشرعي و القانوني افضل من الطبع اذا كان همجيا او جاهلا، من ناحية اخرى هنا تطبع سيء يخالف اخلاق الطبع النقي، فقد يصاب الفرد او الجماعة بعدوى سلوكية او فكرية تحول الفرد او الجماعة الى اداء يجلب الضرر.
ان الانسان مدعو من ذاته و بفطرته لمراجعة فكره و عمله و نتائجهما على ذاته و بيئته، فأن غفل عن ذلك او جرى تغفيله بفعل فاعل فأن الانسانية لم تكُ قط عاقرا عن تقديم نماذج منيرة للفكر و السلوك و قد سبقت السماءُ فجادت بالانبياء و الرسل و الكتب و ضحى من الناس ما لا يحصى لهم عدد بكل ما يملكون في سبيل ايجاد العدالة التي تصارعت مع الظلم من فجر التاريخ و حتى قيام الساعة، وكان الهدف مشترك وهو الانسان و كلا القوتين العلم و الجهل يتصارعان عليه لكن الغاية مختلفة و الوسيلة متبدلة.
على قيادة المجتمع تقع المسؤولية الكبرى، فان كان الطبع السياسي سليما فلا حاجة للتطبع بما يخالف السلامة، و ان كان الطبع سيئا فلا بد من تطبع ينفي اوساخ الطبع و ينقيه.
اخطر ما في السلوك القيادي هو المخادعة و التلاعب في خلط صافي الطباع براكد الطين و ممارسة تطبع هجين همه الدعاية و الصور الاعلامية و انفاق الوقت و المال و اعمار الرعية على افعال كلها خسارة حتى قبل مجيء النتائج الخاسرة.
لقد انفق شعوب العراق من ٢٠٠٣ و الى اليوم ٢٢ سنة، و قبلها من ١٩٦٨ الى٢٠٠٣ قرابة ال٣٥ سنة وقبلها و قبل ذلك، فأزالت طبعا نقيا من المجتمع و زرعت تطبعا يوافق سياسات كل مرحلة، فلا هي حافظت على المنجز المفيد من ارث من سبقها و لا اورثت من بعدها الا مأسِِ.
ان قضية مستقبل شعوبنا اكبر واشد حاجة لمنهج سليم واقعي منتج لبيب، والوقت اشد ضغطا لمراجعة الذات وتلبية الحاجات و احترام الموقع و التفكر بالتكليف.
مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني